محمد جمال الدين القاسمي

173

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )

المواضع آياتِهِ الدالة على أحكامه لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ لكي تفهموا ما فيها وتعملوا بموجبها . القول في تأويل قوله تعالى : [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 243 ] أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْياهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَشْكُرُونَ ( 243 ) أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا ، أي : ممن تقدمكم من الأمم مِنْ دِيارِهِمْ ، أي : التي ألفوها لما وقع فيها مما لا طاقة لهم به من الموت . ولفظة أَ لَمْ تَرَ قد تذكر لمن تقدم علمه فتكون للتعجيب والتقرير والتذكير - كالأحبار وأهل التاريخ - وقد تذكر لمن لا يكون كذلك . فتكون لتعريفه وتعجيبه . قال الراغب : ( رأيت ) يتعدى بنفسه دون الجار . لكن لما استعير ( ألم تر ) لمعنى ( ألم تنظر ) عدى تعديته ب ( إلى ) ، وفائدة استعارته : أن النظر قد يتعدى عن الرؤية ، فإذا أريد الحث على نظر ناتج لا محالة للرؤية استعيرت له ، وقلما استعمل ذلك في غير التقرير فلا يقال : رأيت إلى كذا . وَهُمْ أُلُوفٌ ، أي : في العدد جمع ألف ، أو وهم مؤتلفون ومجتمعون جمع آلف ، بالمدّ - كشاهد وشهود - أي : إن خروجهم لم يكن عن افتراق كان منهم ولا تباغض ولكن حَذَرَ الْمَوْتِ مفعول له - أي : فرارا منه وقوله : فَقالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا ، معناه : فأماتهم ، وإنما جيء به على هذه العبارة للدلالة على أنهم ماتوا ميتة رجل واحد بأمر اللّه ومشيئته ، وتلك مشيئة خارجة عن العادة كأنهم أمروا بشيء فامتثلوه امتثالا من غير إباء ولا توقف . كقوله تعالى : إِنَّما أَمْرُهُ إِذا أَرادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ [ يس : 82 ] . ثُمَّ أَحْياهُمْ عطف . إما على مقدر يستدعيه المقام أي : فماتوا ثم أحياهم - وإنما حذف للدلالة على الاستغناء عن ذكره لاستحالة تخلف مراده تعالى عن إرادته . وإما على ( قال ) لما أنه عبارة عن الإماتة إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ قاطبة . أما أولئك فقد أحياهم ليعتبروا بما جرى عليهم فيفوزوا بالسعادة ، وأما الذين سمعوا قصتهم فقد هداهم إلى مسلك الاعتبار والاستبصار ، فقد تفضّل على الجميع ليشكروه وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَشْكُرُونَ ، أي : فضله كما ينبغي .